Monday, October 26

جلد ذاتي أم خرق معتقداتي؟؟


لا شك من أن جلد الذات وعقاب النفس هي من أقدم طرق التطهر المعنوي التي في بعض الأحيان تسبب التوازن النفسي المطلوب للإبقاء على الذات سوية، و في معظم الديانات السماوية و المعتقدات الأخرى تقر جلد الذات بطريقة أو بأخرى و في بعض الطوائف المسيحية القديمة وبعض الشيعة الآن يعاقبون أنفسهم بجلد ظهورهم بأنفسهم بسياط مطعمة بمسامير و قطع حديدة، كتكفير عن ذنبهم لسماحهم بصلب المسيح عند الطوائف المسيحية أو بقتل سيدنا علي وولده الحسين عند الشيعة.
وإذا أتينا للإسلام و اليهودية نجدهم أقل دموية وأكثر روحانية ففي الإسلام المذنب أو المقصر فهو يعاقب النفس بالصيام و إنفاق المال، و في اليهودية فبالبكاء على حائط المبكى وقراءة الكتاب المقدس حتى تتورم عيناه ندماً على عصيانه لله فيما مضى.
وأما إذا جئنا للحياة الإجتماعية فطرق عقاب النفس متعددة وتختلف من شخص لآخر و تبعاً للسبب الذي يتم على آثره تأبين الذات، فمثلاً هناك العشاق و هناك العاملين والأبناء و كل منهم يعاقب نفسه بالطريقة التي يراها مناسبة له، وقد تكون بلا داعي بل أنه من الممكن أن يكون هو المظلوم ليس إلا و لكنه يسعى إلي أن يبرر لذاته لماذا وقع الظلم عليه فيلقي المسئولية كاملة على كاهله حتى تثقل ضميره ولا يجد مفر من ذلك إلا اللجوء إلي عقاب نفسه ليهرب من جحيم الضمير الذي صنعه لنفسه.
ولقد رأيت أمثلة عديدة لجلد الذات فهناك من يمتنع عن الكلام وآخرون عن الطعام أو النوم أو على العكس يبدئوا في إكراه أنفسهم على الأكل و بكميات كثيرة أو النوم لفترات طويلة كهروب من العالم الواعي و حرمان النفس من التعايش الإجتماعي السوي، وبعض الحالات من الممكن أن يجمع بين كل هذا.
وهناك بعض ممن تكون الضغوط عليهم كبيرة أو نفوسهم هشة يسعون للهروب من واقعهم و عقاب نفسهم بالطريقة القصوى آلا قتل انفسهم، أو بتر عضو من أعضائهم إعلاناً منهم على إحجاج صارخ على معانتهم حتى وإن كانوا ليسوا المسببين الرئيسسين فيها.
وإنتشار هذا النوع من الأحاسيس في المجتمع لهو نتيجة حتمية لقهر إجتماعي، وذل تحكمي نتيجة لإنحدار المستوى الفكري والأخلاقي لكل ذي مركز قوى أو تحكم، وليس بالضرورة أن يكون مسئول أو سياسي، و لكن تحكم سائقي القطارات مثلاً في مصائر و مواقيت الناس، أو تحم المحبوب بمحبوبته أو الأب بأبنه، وعند غياب الضمير و الوعي والعدل يبدأ كل من له نفوذ في إستخدام نفوذه لقهر الآخر مما يؤدي إلي سلسلة لا متناهية من الظلم، ويؤدي هذا إلي عدم سواء النفس والأجيال المستقبلية ومن لا يجد بيده حيلة يبدأ في جلد ذاته و كسر الأنا العليا لديه حتى لا يشعر بالكرامة أو الكبرياء كي يتأقلم مع وضعه الجديد ككائن ثانوي يعامل بحقارة وذل كما الحيوانات وسط المجتمع.
وعند تعرضه لأي قهر يبدأ بلوم نفسه لا غيره في البداية ولكن مع تقدم سنين عمره؛ يصبح ذات سلطة و مسئوولية فيبدأ بلوم الآخرين وظلمهم و قهرهم حتى يسترجع عقدة نقص الأنا العليا لديه، و في بعض الأحيان يبلغ الظلم من المبلغ، أن لا يستطيع السكوت عليه، فيبدأ المُتَحَكَم به إلي التحرك والإنتقام لنفسه بدلاً من جلدها، وقد يؤدي ذلك لقيام الثورات المشروعة على مستوى الدول أو جرائم القتل والسرقة على مستوى الأفراد، فكثرت هذه الأيام جرائم مثل قتل الإبناء لذويهم أو قتل المرؤوسين لمرئوسيهم نتيجة طردهم أو الزوجة لزوجها و إلخ..
ولإيقاف هذه الظاهرة يجب أن يشيع النظام و العدل ويتصرف الناس عند رؤية ظلم يقع على إنسان وإنشاء نظام قضائي أسري منصف، ونظام تعليمي وصحي منصف وهو ما يكاد أن يكون مستحيل في عصرنا هذا لذلك لا نَلم الجاني إن وقعت جريمة أخرى لظالم وليراعى العدل بين الناس.
وأخيراً، قد لا تكفي هذه الكلمة لأن في بعض المواقف يجب أنت تخرق القانون لإنقاذ حقك المشروع في البقاء إنساناً سوياً، ولكن لنقل حسبي الله ونعم الوكيل فهو القدير على كل شئ أولاً و أخيراً